فصل: تفسير الآية رقم (176)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير البغوي المسمى بـ «معالم التنزيل» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏143‏]‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏143‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا‏}‏ أي‏:‏ للوقت الذي ضربنا له أن نكلمه فيه‏.‏ قال أهل التفسير‏:‏ إن موسى عليه السلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ربه لما أتى طور سيناء‏.‏ وفي القصة‏:‏ إن الله عز وجل أنزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء ورأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه، وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلمه ربه وأدناه حتى سمع صرير القلم فاستحلى موسى عليه السلام كلام ربه واشتاق إلى رؤيته ‏{‏قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ‏}‏ قال الزجاج‏:‏ فيه اختصار تقديره‏:‏ أرني نفسك أنظر إليك‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أعطني النظر إليك‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يُرى في الدنيا‏؟‏ قال الحسن‏:‏ هاج به الشوق فسأل الرؤية‏.‏ وقيل‏:‏ سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يُرى في الدنيا ‏{‏قَالَ‏}‏ الله تعالى ‏{‏لَنْ تَرَانِي‏}‏ وليس لبشر أن يطيق النظر إليَّ في الدنيا من نظر إلي في الدنيا مات فقال إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن انظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك فقال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ‏}‏ وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير‏.‏

قال السدي‏:‏ لما كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج بين قدمي موسى، فوسوس إليه‏:‏ أن يكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى الرؤية فقال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَنْ تَرَانِي‏}‏ وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية، وقالوا‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَنْ تَرَانِي‏}‏ ولن تكون للتأبيد، ولا حجة لهم فيها ومعنى الآية‏:‏ لن تراني في الدنيا أو في الحال، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال و ‏"‏لن‏"‏ لا تكون للتأبيد، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولن يتمنوه أبدا‏}‏ ‏(‏البقرة- 95‏)‏، إخبارا عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة يقولون ‏{‏يا مالك ليقض علنيا ربك‏}‏ ‏(‏الزخرف- 77‏)‏، و ‏{‏يا ليتها كانت القاضية‏}‏ ‏(‏الحاقة- 27‏)‏، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية ولم يقل إني لا أرى حتى تكون لهم حجة بل علق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي‏}‏ قال وهب وابن إسحاق لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر الله ملائكة السماء أن يعترضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال‏:‏ لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء‏؟‏ فقال له خير الملائكة ورأسهم‏:‏ يا موسى اصبر لم سألت، فقليل من كثير ما رأيت‏.‏

ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار، ففزع موسى واشتد نفسه وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة‏:‏ مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا تصبر عليه، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم علية بالتقديس والتسبيح لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم، فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملائكة ورأسهم‏:‏ يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت‏.‏

ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره، لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم‏:‏ يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه‏.‏

ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب ليراني، فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة، نار أشد ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات، كلهم يقولون بشدة أصواتهم‏:‏ سبوح قدوس، رب العزة أبدا لا يموت، في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا وهو يبكي ويقول‏:‏ رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا‏؟‏ إن خرجت احترقت وإن مكثت مت، فقال له كبير الملائكة ورأسهم‏:‏ قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت‏.‏

ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم جميعا يقولون‏:‏ سبحان القدوس رب العزة أبدا لا يموت بشدة أصواتهم، فارتج الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه، فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل اللامة، فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول آمنت بك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء، رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك وما أجلك رب العالمين، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ظهر نور ربه للجبل، جبل زبير‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور‏.‏ وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار‏:‏ ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا‏.‏ وقال السدي‏:‏ ما تجلى إلا قدر الخنصر، يدل عليه ما روى ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال‏:‏ ‏"‏هكذا‏"‏ ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل‏.‏

وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى اظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا، أي‏:‏ مستويا بالأرض، قرأ حمزة والكسائي ‏(‏دكاء‏)‏ ممدودا غير منون هاهنا وفي سورة الكهف، وافق عاصم في الكهف وقرأ الآخرون ‏(‏دكا‏)‏ مقصورا منونا، فمن قصره فمعناه جعله مدقوقا‏:‏ والدك والدق واحد، وقيل‏:‏ معناه دكه الله دكا، أي‏:‏ فتته كما قال‏:‏ ‏{‏كلا إذا دكت الأرض دكا دكا‏}‏ ‏(‏الفجر- 21‏)‏، ومن قرأ بالمد أي‏:‏ جعله مستويا أرضا دكاء‏.‏

وقيل‏:‏ معناه جعله مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها قال ابن عباس‏:‏ جعله ترابا‏.‏ وقال سفيان‏:‏ ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه‏.‏ وقال عطية العوفي‏:‏ صار رملا هائلا‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ جعله دكا أي كسرا جبالا صغارا‏.‏

ووقع في تعض التفاسير‏:‏ صار لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة‏:‏ أحد وورقان ورضوي، ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا‏}‏ قال ابن عباس والحسن‏:‏ مغشيا عليه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ميتا‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر‏.‏

قال الواقدي‏:‏ لما خر موسى صعقا قالت ملائكة السموات‏:‏ ما لابن عمران وسؤال الرؤية‏؟‏ وفي بعض الكتب أن ملائكة السموات أتوا موسى وهو مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا أَفَاقَ‏}‏ موسى من صعقته وثاب إليه عقله عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له ‏{‏قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ‏}‏ عن سؤال الرؤية ‏{‏وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ بأنك لا تُرى في الدنيا‏.‏ وقال مجاهد والسدي‏:‏ وأنا أول من آمن بك من بني إسرائيل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏144‏]‏

‏{‏قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏144‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ‏}‏ اخترتك على الناس، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ‏"‏إني‏"‏ بفتح الياء وكذلك ‏"‏أخي اشدد‏"‏ ‏(‏طه- 31‏)‏، ‏{‏بِرِسَالاتِي‏}‏ قرأ أهل الحجاز برسالتي على التوحيد، والآخرون بالجمع، ‏{‏وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ‏}‏ أعطيتك ‏{‏وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏}‏ لله على نعمه‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما معنى قوله ‏"‏اصطفيتك على الناس برسالاتي‏"‏ وقد أعطي غيره الرسالة‏؟‏ قيل‏:‏لما لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس كافة استقام قوله اصطفيتك على الناس وإن شاركه فيه غيره، كما يقول الرجل‏:‏ خصصتك بمشورتي وإن شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم يكون مستقيما‏.‏

وفي بعض القصة‏:‏ أن موسى عليه السلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات‏.‏ وقالت له امرأته‏:‏ أنا أيم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرجت لله ساجدة، وقالت‏:‏ ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال‏:‏ ذاك لك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها‏.‏

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي المزكي أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن إسحاق السراج حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا راشد بن أسعد بن عبد الرحمن المغافري عن أبيه عن كعب الأحبار‏:‏ أن موسى نظر في التوراة فقال‏:‏ إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، رب اجعلهم أمتي، قال‏:‏ هي أمة محمد يا موسى، فقال‏:‏ ربي إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي، قال‏:‏ هي أمة محمد، فقال‏:‏ رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار، وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي، قال‏:‏ هي أمة محمد، قال‏:‏ يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبّر الله فإذا هبط واديا حمد الله، الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا، يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي، قال‏:‏ هي أمة محمد، فقال‏:‏ رب إني أجد أمة إذا همّ أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له ضعف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت له سيئة مثلها، فاجعلهم أمتي، قال‏:‏ هي أمة أحمد، فقال‏:‏ رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب من الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ولا أجد أحدا منهم إلا مرحوما فاجعلهم أمتي، قال‏:‏ هي أمة محمد، فقال‏:‏ يا رب إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم أبدا إلا من يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء الشحر، فاجعلهم أمتي، قال‏:‏ هي أمة أحمد، فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته قال‏:‏ يا ليتني من أصحاب محمد وأمته، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن‏:‏ ‏"‏يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي‏"‏ إلى قوله‏:‏ ‏"‏سأريكم دار الفاسقين، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون‏"‏، فرضي موسى كل الرضا‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏145‏]‏

‏{‏وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏145‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَكَتَبْنَا لَهُ‏}‏ يعني لموسى، ‏{‏فِي الألْوَاحِ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد ألواح التوراة، وفي الحديث‏:‏ ‏"‏كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنا عشر ذراعا‏"‏‏.‏ وجاء في أحاديث خلق الله آدم بيده‏:‏ ‏"‏وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده‏"‏‏.‏

وقال الحسن‏:‏ كانت الألواح من خشب‏.‏ قال الكلبي كانت من زبرجدة خضراء‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ كانت من ياقوت أحمر، وقال الربيع بن أنس‏:‏ كانت الألواح من برد‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ كانت من زمرد، أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وقال وهب‏:‏ أمره الله بقطع الألواح من صخرة صماء ليّنها الله له فقطعها بيده ثم شققها بأصبعه، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشرة وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرة أذرع على طول موسى‏.‏ وقال مقاتل ووهب‏:‏ ‏{‏وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ‏}‏ كنقش الخاتم‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏:‏ نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأه إلا أربعة نفر‏:‏ موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى‏.‏

وقال الحسن‏:‏ هذه الآية في التوراة ألف آية يعني ‏"‏وكتبنا له في الألواح‏"‏ ‏{‏مِنْ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ مما أمروا به ونهوا عنه، ‏{‏مَوْعِظَةً‏}‏ نهيا عن الجهل، وحقيقة الموعظة‏:‏ التذكرة والتحذير بما يخاف عاقتبه، ‏{‏وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ‏}‏ أي‏:‏ تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام‏.‏ ‏{‏فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ بجد واجتهاد، وقيل‏:‏ بقوة القلب وصحة العزيمة، لأنه إذا أخذه بضعف النية أداه إلى الفتور، ‏{‏وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا‏}‏ قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ يحلوا حلالها، ويحرموا حرامها، ويتدبروا أمثالها، ويعملوا بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها وكان موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه، فأمر بما لم يؤمروا به‏.‏

قال قطرب‏:‏ بأحسنها أي بحسنها، وكلها حسن‏.‏ وقيل‏:‏ أحسنها الفرائض والنوافل، وهي ما يستحق عليها الثواب، وما دونها المباح، لأنه لا يستحق عليه الثواب‏.‏ وقيل‏:‏ بأحسنها بأحسن الأمرين في كل شيء كالعفو أحسن من القصاص، والصبر أحسن من الانتصار‏.‏

‏{‏سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ‏}‏ قال مجاهد‏:‏ مصيرها في الآخرة‏.‏ قال الحسن وعطاء‏:‏ يعني جهنم، يحذركم أن تكونوا مثلهم‏.‏ وقال قتادة وغيره‏:‏ سأدخلكم الشأم فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها‏.‏ قال عطية العوفي‏:‏ أراد دار فرعون وقومه وهي مصر، يدل عليه قراءة قسامة بن زهير‏:‏ ‏"‏سأوريكم دار الفاسقين‏"‏، وقال السدي‏:‏ دار الفاسقين مصارع الكفار‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏146- 147‏]‏

‏{‏سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ‏(‏146‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏147‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي، يعني‏:‏ سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم للحق، كقوله‏:‏ ‏(‏فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم‏)‏‏.‏

قال سفيان بن عيينة‏:‏ سأمنعهم فهم القرآن‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ يعني عن خلق السموات والأرض وما فيها أي أصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها‏.‏ وقيل‏:‏ حكم الآية لأهل مصر خاصة، وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى موسى عليه السلام‏.‏ والأكثرون على أن الآية عامة ‏{‏وَإِنْ يَرَوْا‏}‏ يعني‏:‏ هؤلاء المتكبرين ‏{‏كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي ‏"‏الرَّشَد‏"‏ بفتح الراء والشين، والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما لغتان كالسُّقم والسَّقم والبُخل والبَخل والحُزن والحَزن‏.‏

وكان أبو عمرو يفرِّق بينهما، فيقول‏:‏ الرُّشد- بالضم- الصلاح في الأمر، وبالفتح الاستقامة في الدين‏.‏ معنى الآية‏:‏ إن يروا طريق الهدى والسداد ‏{‏لا يَتَّخِذُوهُ‏}‏ لأنفسهم ‏{‏سَبِيلا‏}‏ ‏{‏وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ‏}‏ أي طريق الضلال ‏{‏يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ‏}‏ عن التفكير فيها والاتعاظ بها غافلين ساهين‏.‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ ولقاء الدار الآخرة التي هي موعد الثواب والعقاب، ‏{‏حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ‏}‏ بطلت وصارت كأن لم تكن، ‏{‏هَلْ يُجْزَوْنَ‏}‏ في العقبى ‏{‏إِلا مَا كَانُوا‏}‏ أي إلا جزاء ما كانوا ‏{‏يَعْمَلُونَ‏}‏ في الدنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏148- 149‏]‏

‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ‏(‏148‏)‏ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏149‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ‏}‏ أي‏:‏ بعد انطلاقه إلى الجبل ‏{‏مِنْ حُلِيِّهِمْ‏}‏ التي استعاروها من قوم فرعون‏.‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏مِنْ حُلِيِّهِمْ‏}‏ بكسر الحاء وقرأ يعقوب بفتح الحاء وسكون اللام واتخذ السامري منها ‏{‏عِجْلا‏}‏ وألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلا ‏{‏جَسَدًا‏}‏ حيا ولحما ودما ‏{‏لَهُ خُوَارٌ‏}‏ وهو صوت البقر، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وجماعة أهل التفسير‏.‏

وقيل‏:‏ كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوت‏.‏

وقيل‏:‏ كان يسمع صوت حفيف الريح يدخل في جوفه ويخرج، والأول أصح‏.‏

وقيل‏:‏ إنه ما خار إلا مرة واحدة، وقيل‏:‏ كان يخور كثيرا كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رءوسهم‏.‏ وقال وهب‏:‏ كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرك‏.‏

وقال السدي‏:‏ كان يخور ويمشي ‏{‏أَلَمْ يَرَوْا‏}‏ يعني‏:‏ الذين عبدوا العجل ‏{‏أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا‏}‏ قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ اتخذوه إلها وكانوا كافرين‏.‏

‏{‏وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ‏}‏ أي ندموا على عبادة العجل، تقول العرب لكل نادم على أمر‏:‏ قد سقط في يديه، ‏{‏وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا‏}‏ يتب علينا ربنا، ‏{‏وَيَغْفِرْ لَنَا‏}‏ يتجاوز عنا، ‏{‏لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏"‏ترحمنا وتغفر لنا‏"‏ بالتاء فيهما ‏"‏ربنا‏"‏ بنصب الباء‏.‏ وكان هذا الندم والاستغفار منهم بعد رجوع موسى إليهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏150- 151‏]‏

‏{‏وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏150‏)‏ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏151‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا‏}‏ قال أبو الدرداء‏:‏ الأسف شديد الغضب‏.‏ وقال ابن عباس والسدي‏:‏ أسِفا أي حزينا‏.‏ والأسف أشد الحزن، ‏{‏قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي‏}‏ أي‏:‏ بئس ما عملتهم بعد ذهابي، يقال‏:‏ خلفه بخير أو بشر إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنهم خيرا أو شرا، ‏{‏أَعَجِلْتُمْ‏}‏ أسبقتم ‏{‏أَمْرَ رَبِّكُمْ‏}‏ قال الحسن‏:‏ وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين ليلة‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم‏.‏ ‏{‏وَأَلْقَى الألْوَاحَ‏}‏ التي فيها التوراة وكان حاملا لها، فألقاها على الأرض من شدة الغضب‏.‏

قالت الرواة‏:‏ كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب، وبقي ما فيه الموعظة والأحكام والحلال والحرام، ‏{‏وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ‏}‏ بذوائبه ولحيته ‏{‏يَجُرُّهُ إِلَيْهِ‏}‏ وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحب إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان لين الغضب‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ هارون عند ذلك ‏{‏ابْنَ أُمَّ‏}‏ قرأ أهل الكوفة والشام هاهنا وفي طه بكسر الميم، يريد يا ابن أمي، فحذف ياء الإضافة وأبقيت الكسرة لتدل على الإضافة كقوله‏:‏ ‏"‏يا عباد‏"‏ وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص‏:‏ بفتح الميم على معنى يا ابن أماه‏.‏

وقيل‏:‏ جعله اسما واحدا وبناه على الفتح، كقولهم‏:‏ حضرموت، وخمسة عشر، ونحوهما، وإنما قال ابن أم وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه‏.‏

وقيل‏:‏ كان أخاه لأمه دون أبيه، ‏{‏إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي‏}‏ يعني عَبَدَة العجل، ‏{‏وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي‏}‏ هموا وقاربوا أن يقتلوني، ‏{‏فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي‏}‏ في مؤاخذتك عليّ ‏{‏مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏ يعني عبدة العجل‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ موسى لما تبين له عذر أخيه، ‏{‏رَبِّ اغْفِرْ لِي‏}‏ ما صنعت إلى أخي، ‏{‏وَلأخِي‏}‏ إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل، ‏{‏وَأَدْخِلْنَا‏}‏ جميعا ‏{‏فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏152- 154‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ‏(‏152‏)‏ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏153‏)‏ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ‏(‏154‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ‏}‏ أي‏:‏ اتخذوه إلها ‏{‏سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ‏}‏ في الآخرة ‏{‏وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ قال أبو العالية‏:‏ هو ما أمروا به من قتل أنفسهم‏.‏ وقال عطية العوفي‏:‏ ‏"‏إن الذين اتخذوا العجل‏"‏ أراد اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم عيّرهم بصنيع آبائهم فنسبه إليهم ‏{‏سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ أراد ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء‏.‏

وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هو الجزية، ‏{‏وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ‏}‏ الكاذبين، قال أبو قلابة هو- والله- جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله‏.‏ قال سفيان بن عيينة‏:‏ هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة‏.‏

قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا سَكَتَ‏}‏ أي‏:‏ سكن، ‏{‏عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ‏}‏ التي كان ألقاها وقد ذهبت ستة أسباعها ‏{‏وَفِي نُسْخَتِهَا‏}‏ اختلفوا فيه، قيل‏:‏ أراد بها الألواح، لأنها نسخت من اللوح المحفوظ‏.‏

وقيل‏:‏ إن موسى لما ألقى الألواح تكسرت فنسخ منها نسخة أخرى فهو المراد من قوله‏:‏ ‏{‏وَفِي نُسْخَتِهَا‏}‏‏.‏

وقيل‏:‏ أراد‏:‏ وفيما نسخ منها‏.‏ وقال عطاء‏:‏ فيما بقي منها‏.‏ وقال ابن عباس وعمرو بن دينار‏:‏ لما ألقى موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت عليه في لوحين فكان فيه، ‏{‏هُدًى وَرَحْمَةً‏}‏ أي‏:‏ هدى من الضلالة ورحمة من العذاب، ‏{‏لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ‏}‏ أي‏:‏ للخائفين من ربهم، واللام في ‏{‏لِرَبِّهِمْ‏}‏ زيادة توكيد، كقوله‏:‏ ‏{‏رَدِفَ لكم‏}‏ ‏(‏النمل- 72‏)‏، وقال الكسائي‏:‏ لما تقدمت قبل الفعل حسنت، كقوله‏:‏ ‏{‏للرؤيا تعبرون‏}‏ ‏(‏يوسف- 43‏)‏، وقال قطرب‏:‏ أراد من ربهم يرهبون‏.‏ وقيل‏:‏ أراد راهبون‏.‏ وقيل‏:‏ أراد راهبون لربهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏155‏]‏

‏{‏وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ‏(‏155‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ‏}‏ أي‏:‏ من قومه، فانتصب لنزع حرف الصفة، ‏{‏سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا‏}‏ فيه دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل‏.‏ قال السدي‏:‏ أمر الله تعال موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا ‏{‏فَلَمَّا‏}‏ أتوا ذلك المكان قالوا‏:‏ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا ويسألوا التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم، فهذا يدل على أن كلهم عبدوا العجل‏.‏

وقال قتادة، وابن جريج، ومحمد بن كعب‏:‏ ‏{‏أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ‏}‏ لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف لم ينهوهم عن المنكر‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ إن السبعين الذين قالوا‏:‏ ‏{‏لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة‏}‏ ‏(‏البقرة- 55‏)‏، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختارهم وبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا‏:‏ اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا، ولا تعطه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة‏.‏

وقال وهب‏:‏ لم تكن الرجفة صوتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا، حتى كادت أن تَبِيْنَ مفاصلهم، فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت، فاشتد عليه فقدهم، وكانوا له وزراء على الخير، سامعين مطيعين، فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربه، فكشف الله عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا وسمعوا كلام ربهم، فذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ يعني موسى ‏{‏رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ‏}‏ يعني عن عبادة العجل ‏{‏وَإِيَّايَ‏}‏ بقتل القبطي‏.‏ ‏{‏أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا‏}‏‏.‏

يعني عبدة العجل، وظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذهم العجل، وقال هذا على طريق السؤال، يسأل‏:‏ أتهلكنا بفعل السفهاء‏؟‏‏.‏

وقال المبرد‏:‏ قوله ‏"‏أهلكنا بما فعل السفهاء منا‏"‏ استفهام استعطاف، أي‏:‏ لا تهلكنا، وقد علم موسى عليه السلام أن الله تعالى أعدل من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره‏.‏

قوله تعالى ‏{‏إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ‏}‏ أي‏:‏ التي وقع فيها السفهاء، لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك، أضللت بها قوما فافتتنوا، وهديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك، فذلك هو معنى قوله‏:‏ ‏{‏تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا‏}‏ ناصرنا وحافظنا، ‏{‏فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏156- 157‏]‏

‏{‏وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏156‏)‏ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏157‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَاكْتُبْ لَنَا‏}‏ أوجب لنا ‏{‏فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً‏}‏ النعمة والعافية، ‏{‏وَفِي الآخِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ وفي الآخرة ‏{‏حَسَنَةً‏}‏ أي المغفرة والجنة، ‏{‏إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ‏}‏ أي‏:‏ تبنا إليك، ‏{‏قَالَ‏}‏ الله تعالى‏:‏ ‏{‏عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ‏}‏ من خلقي، ‏{‏وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ‏}‏ عمت كل شيء، قال الحسن وقتادة‏:‏ وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة‏.‏ وقال عطية العوفي‏:‏ وسعت كل شيء ولكن لا تجب إلا للذين يتقون، وذلك أن الكافر يرزق، ويدفع عنه بالمؤمنين لسعة رحمة الله للمؤمنين، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة، كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه‏.‏

قال ابن عباس- رضي الله عنهما- وقتادة، وابن جريج‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏"‏ورحمتي وسعت كل شيء‏"‏ قال إبليس‏:‏ أنا من ذلك الشيء، فقال الله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ‏}‏ فتمناها اليهود والنصارى، وقالوا‏:‏ نحن نتقي ونؤمن، ونؤتي الزكاة، فجعلها الله لهذه الأمة فقال‏:‏

‏{‏الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ‏}‏ الآية‏.‏ قال نوف البكالي الحميري‏:‏ لما اختار موسى قومه سبعين رجلا قال الله تعالى لموسى‏:‏ أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا، تصلون حيث أردكتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرؤها الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا‏:‏ لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا، فقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة‏"‏ إلى قوله‏:‏ ‏"‏أولئك هم المفلحون‏"‏، فجعلها الله لهذه الأمة‏.‏ فقال موسى عليه السلام‏:‏ يا رب اجعلني نبيهم، فقال‏:‏ نبيهم منهم، قال‏:‏ رب اجعلني منهم فقال‏:‏ إنك لن تدركهم، فقال موسى عليه السلام‏:‏ يا رب أني أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون‏}‏ ‏(‏الأعراف- 159‏)‏، فرضي موسى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ‏}‏ وهو محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما هو نبيكم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب‏"‏ وهو منسوب إلى الأم، أي هو على ما ولدته أمه‏.‏ وقيل هو منسوب إلى أمته، أصله أمتي فسقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني وقيل‏:‏ هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة‏.‏

‏{‏الَّذِي يَجِدُونَهُ‏}‏ أي‏:‏ يجدون صفته ونعته ونبوته، ‏{‏مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ‏}‏‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أن أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا هلال عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت‏:‏ أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة‏:‏ قال‏:‏ أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ لا غليظ ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا‏:‏ لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا‏"‏‏.‏

تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال عن عطاء عن ابن سلام أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام أنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي حدثنا عبد الله بن عثمان عن أبي حمزة عن الأعمش عن أبي صالح عن عبد الله بن ضمرة عن كعب- رضي الله عنه- قال‏:‏ إني أجد في التوراة مكتوبا محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد، يأتزرون على أنصافهم ويوضئون أطرافهم، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ أي‏:‏ بالإيمان، ‏{‏وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ‏}‏ أي‏:‏ عن الشرك، وقيل‏:‏ المعروف‏:‏ الشريعة والسنة، والمنكر‏:‏ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة‏.‏ وقال عطاء‏:‏ يأمرهم بالمعروف‏:‏ بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام، وينهاهم عن المنكر‏:‏ عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام‏.‏ ‏{‏وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ‏}‏ يعني‏:‏ ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ‏{‏وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ‏}‏ يعني‏:‏ الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والزنا وغيرها من المحرمات‏.‏ ‏{‏وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ‏}‏ قرأ ابن عامر ‏"‏آصارهم‏"‏ بالجمع‏.‏ والإصر‏:‏ كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل‏.‏

قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد‏:‏ يعني العهد الثقيل كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة‏.‏

وقال قتادة‏:‏ يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين، ‏{‏وَالأغْلالَ‏}‏ يعني‏:‏ الأثقال ‏{‏الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ‏}‏ وذلك مثل‏:‏ قتل الأنفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية، وترك العمل في السبت، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس وغير ذلك من الشدائد‏.‏ وشبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق‏.‏ ‏{‏فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ‏}‏ أي‏:‏ بمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏وَعَزَّرُوهُ‏}‏ وقّروه، ‏{‏وَنَصَرُوهُ‏}‏ على الأعداء ‏{‏وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏158- 159‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏158‏)‏ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ‏(‏159‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ‏}‏ أي‏:‏ آياته وهي القرآن‏.‏ وقال مجاهد والسدي‏:‏ يعني عيسى ابن مريم، ويقرأ ‏"‏كلمته‏"‏ ‏{‏وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى‏}‏ يعني‏:‏ بني إسرائيل ‏{‏أُمَّةٌ‏}‏ أي‏:‏ جماعة، ‏{‏يَهْدُونَ بِالْحَقِّ‏}‏ أي‏:‏ يرشدون ويدعون إلى الحق‏.‏ وقيل‏:‏ معناه يهتدون ويستقيمون عليه، ‏{‏وَبِهِ يَعْدِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ بالحق يحكمون وبالعدل يقومون‏.‏ قال الكلبي والضحاك والربيع‏:‏ هم قوم خلف الصين، بأقصى الشرق على نهر يجري الرمل يسمى نهر أوداف، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويصحون بالنهار، ويزرعون حتى لا يصل إليهم منا أحد، وهم على الحق‏.‏

وذُكر‏:‏ أن جبرائيل عليه السلام ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكلمهم فقال لهم جبريل‏:‏ هل تعرفون من تكلمون‏؟‏ قالوا‏:‏ لا فقال لهم‏:‏ هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به فقالوا‏:‏ يا رسول الله إن موسى عليه السلام أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منا السلام، فرد النبي صلى الله عليه وسلم على موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن أنزلت بمكة، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمِّعوا ويتركوا السبت‏.‏

وقيل‏:‏ هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ والأول أصح‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏160- 162‏]‏

‏{‏وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏160‏)‏ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏161‏)‏ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ ‏(‏162‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقَطَّعْنَاهُمُ‏}‏ أي‏:‏ فرّقناهم، يعني بني إسرائيل، ‏{‏اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا‏}‏‏.‏

قال الفراء‏:‏ إنما قال‏:‏ ‏"‏اثنتي عشرة‏"‏، والسبط مذكر لأنه قال‏:‏ ‏"‏أمما‏"‏ فرجع التأنيث إلى الأمم، وقال الزجاج‏:‏ المعنى وقطعناهم اثنتي عشرة أمما، وإنما قال‏:‏ ‏"‏أسباطا أمما‏"‏، بالجمع وما فوق العشرة لا يفسر بالجمع، فلا يقال‏:‏ أتاني اثنا عشر رجالا لأن الأسباط في الحقيقة نعت المفسر المحذوف وهو الفرقة، أي‏:‏ وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أمما‏.‏

وقيل‏:‏ فيه تقديم وتأخير، تقديره‏:‏ وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي عشرة، والأسباط القبائل واحدها سبط‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ‏}‏ في التيه، ‏{‏أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ‏}‏ انفجرت‏.‏ وقال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ عرقت وهو الانبجاس، ثم انفجرت، ‏{‏مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا‏}‏ لكل سبط عين ‏{‏قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ‏}‏ كل سبط، ‏{‏مَشْرَبَهُمْ‏}‏ وكل سبط بنو أب واحد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ‏}‏ في التيه تقيهم حر الشمس، ‏{‏وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ‏}‏ قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب‏:‏ ‏"‏نغفر‏"‏ بالتاء وضمها وفتح الفاء‏.‏ وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الفاء، ‏{‏خَطِيئَاتِكُمْ‏}‏ قرأ ابن عامر ‏"‏خطيئتكم‏"‏ على التوحيد ورفع التاء، وقرأ أبو عمرو‏:‏ ‏"‏خطاياكم‏"‏، وقرأ أهل المدينة ويعقوب‏:‏ ‏"‏خطيئاتكم‏"‏ بالجمع ورفع التاء‏.‏ وقرأ الآخرون بالجمع وكسر التاء ‏{‏سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ‏}‏‏.‏

‏{‏فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا‏}‏ عذابا ‏{‏مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏163‏]‏

‏{‏وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏163‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ‏}‏ قيل‏:‏ هي ‏"‏مدين‏"‏، أي‏:‏ سلْ يا محمد هؤلاء اليهود الذي هم جيرانك سؤال توبيخ وتقريع عن القرية التي كانت حاضرة البحر أي‏:‏ بقربه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ هي قرية يقال لها ‏"‏إيلة‏"‏ بين ‏"‏مدين‏"‏ و ‏"‏الطور‏"‏ على شاطئ البحر‏.‏ وقال الزهري‏:‏ هي ‏"‏طبرية الشام‏"‏‏.‏ ‏{‏إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ‏}‏ أي‏:‏ ظاهرة على الماء كثيرة، جمع شارع‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ متتابعة‏.‏

وفي القصة‏:‏ أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض‏.‏

‏{‏وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ‏}‏ كإتيانهم يوم السبت، قرأ الحسن‏:‏ ‏"‏لا يُسبتون‏"‏ بضم الياء أي‏:‏ لا يدخلون في السبت، والقراءة المعروفة بنصب الياء، ومعناه‏:‏ لا يعظمون السبت، ‏{‏كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ‏}‏ نختبرهم، ‏{‏بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ‏}‏ فوسوس إليهم الشيطان وقال‏:‏ إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل، فاصطادوا‏.‏ أو قيل‏:‏ وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ، فاتخذوا حيضا على شاطئ البحر، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم تأخذونها يوم الأحد‏.‏ ففعلوا ذلك زمانا ثم تجرأوا على السبت، وقالوا‏:‏ ما نرى السبت إلا قد أُحلّ لنا، فأخذوا وأكلوا وباعوا، فصار أهل القرية أثلاثا، وكانوا نحوا من سعين ألفا، ثلث نهوا، وثلث لم ينهوا وسكتوا وقالوا‏:‏ لِمَ تعظون قوما الله مهلكهم‏؟‏ وثلث هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال الناهون‏:‏ لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا‏:‏ إن لهم شأنا لعل الخمر غلبتهم فعَلَوا على الجدار، فإذا هم قردة، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابها من القرود، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول‏:‏ ألم ننهكم فتقول برأسها‏:‏ نعم، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏164- 165‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏164‏)‏ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏165‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ‏}‏ اختلفوا في الذين قالوا هذا، قيل‏:‏ كانوا من الفرقة الهالكة، وذلك أنهم لما قيل لهم انتهوا عن هذا العمل السيئ، قبل أن ينزل بكم العذاب وأنا نعلم أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا أجابوا وقالوا‏:‏ ‏(‏لم تعظون قوما الله مهلكهم‏)‏، ‏{‏أَوْ‏}‏ علمتهم أنه ‏{‏مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا‏}‏ أي‏:‏ قال الناهون ‏{‏مَعْذِرَةً‏}‏ أي‏:‏ موعظتنا معذرة ‏{‏إِلَى رَبِّكُمْ‏}‏ قرأ حفص‏:‏ ‏"‏معذرة‏"‏ بالنصب أي نفعل ذلك معذرة إلى ربكم‏.‏ والأصح أنها من قول الفرقة الساكنة، قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم، قالوا معذرة إلى ربكم، ومعناه أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله، ‏{‏وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ أي‏:‏ يتقون الله ويتركوا المعصية، ولو كان الخطاب مع المعتدين لكان يقول ولعلكم تتقون‏.‏

‏{‏فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ‏}‏ أي‏:‏ تركوا ما وعظوا به، ‏{‏أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا‏}‏ يعني الفرقة العاصية، ‏{‏بِعَذَابٍ بَئِيسٍ‏}‏ أي‏:‏ شديد وجيع، من البأس وهو الشدة‏.‏

واختلف القراء فيه قرأ أهل المدينة وابن عامر ‏"‏بئيس‏"‏ بكسر الباء على وزن فعل، إلا أن ابن عامر يهمزه، وأبو جعفر ونافع لا يهمزان، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل، وقرأ الآخرون على وزن فعيل مثل بعير وصغير‏.‏

‏{‏بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أسمع الله يقول‏:‏ ‏"‏أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس‏"‏، فلا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة‏؟‏ قال عكرمة‏:‏ قلت له‏:‏ جعلني الله فداك ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، وقالوا‏:‏ لم تعظون قوما الله مهلكهم‏؟‏ وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل‏:‏ أهلكتهم، فأعجبه قولي، فرضي وأمر لي ببردين فكسانيهما‏.‏

وقال يمان بن رباب‏:‏ نجت الطائفتان الذين قالوا لم تعظون قوما والذين قالوا معذرة إلى ربكم، وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان‏.‏ وهذا قول الحسن‏.‏

وقال ابن زيد‏:‏ نجت الناهية، وهلكت الفرقتان، وهذه أشد آية في ترك النهي عن المنكر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏166- 167‏]‏

‏{‏فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ‏(‏166‏)‏ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏167‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أبوا أن يرجعوا عن المعصية ‏{‏قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ‏}‏ مبعدين، فمكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس ثم هلكوا‏.‏

‏{‏وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ‏}‏ أي‏:‏ آذن وأعلم ربك، يقال‏:‏ تأذن وآذن، مثل‏:‏ توعد وأوعد‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ تأذن ربك قال ربك‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ أمر ربك‏.‏ وقال عطاء‏:‏ حكم ربك‏.‏ ‏{‏لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏}‏ أي‏:‏ على اليهود، ‏{‏مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ‏}‏ بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏168- 169‏]‏

‏{‏وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏168‏)‏ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ‏(‏169‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَقَطَّعْنَاهُمْ‏}‏ وفرقناهم ‏{‏فِي الأرْضِ أُمَمًا‏}‏ فرقا فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم تجتمع لهم كلمة، ‏{‏مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ‏}‏ قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ يريد الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ‏{‏وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ‏}‏ يعني الذين بقوا على الكفر‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ منهم الصالحون هم الذين وراء نهر أوداف من وراء الصين ومنهم دون ذلك، يعني‏:‏ من هاهنا من اليهود، ‏{‏وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ‏}‏ بالخصب والعافية، ‏{‏وَالسَّيِّئَاتِ‏}‏ الجدب والشدة، ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ جاء من هؤلاء الذين وصفناهم ‏{‏خَلْفٌ‏}‏ والخلف‏:‏ القرن الذي يجيء بعد قرن‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ الخلف بسكون اللام الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء، والخلف بفتح اللام‏:‏ البدل سواء كان ولدا أو غريبا‏.‏

وقال ابن الأعرابي‏:‏ الخلّف بالفتح‏:‏ الصالح، وبالجزم‏:‏ الطالح‏.‏

وقال النضر بن شميل‏:‏ الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد، وأما في القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير‏.‏

وقال محمد بن جرير‏:‏ أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذم بتسكينها وقد يحرك في الذم ويسكن في المدح‏.‏ ‏{‏وَرِثُوا الْكِتَابَ‏}‏ أي‏:‏ انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة، ‏{‏يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى‏}‏ فالعرض متاع الدنيا، والعَرْض، بسكون الراء، ما كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير‏.‏ وأراد بالأدنى العالَم، وهو هذه الدار الفانية، فهو تذكير الدنيا، وهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها وضيّعوا العمل بما فيها، وخالفوا حكمها، يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته، ‏{‏وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا‏}‏ ذنوبنا يتمنون على الله الأباطيل‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا أبو طاهر، محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنبأنا عبد الله بن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله‏"‏‏.‏

‏{‏وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ‏}‏ هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، يقول إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما، ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه‏.‏ وقال السدي‏:‏ كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم، فيقال له‏:‏ ما لك ترتشي‏؟‏ فيقول‏:‏ سيغفر لي، فيطعن عليه الآخرون، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي أيضا‏.‏ يقول‏:‏ وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه‏.‏

‏{‏أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ‏}‏ أي‏:‏ أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل، وهي تمني المغفرة مع الإصرار، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار، ‏{‏وَدَرَسُوا مَا فِيهِ‏}‏ قرأوا ما فيه، فهم ذاكرون لذلك، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة، ودرس الكتاب‏:‏ قراءته وتدبره مرة بعد أخرى، ‏{‏وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏170- 172‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ‏(‏170‏)‏ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏171‏)‏ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ‏(‏172‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ‏}‏ قرأ أبو بكر عن عاصم‏:‏ ‏"‏يمسكون‏"‏ بالتخفيف، وقراءة العامة بالتشديد، لأنه يقال‏:‏ مسكت بالشيء، ولا يقال أمسكت بالشيء، إنما يقال‏:‏ أمسكته، وقرأ أبي بن كعب‏:‏ ‏"‏والذين تمسكوا بالكتاب‏"‏، على الماضي وهو جيد لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَقَامُوا الصَّلاةَ‏}‏ إذ قَلَّ ما يعطف ماض على مستقبل إلا في المعنى، وأراد الذين يعملون بما في الكتاب، قال مجاهد‏:‏ هم المؤمنون من أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرّفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة‏.‏ وقال عطاء‏:‏ هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ فلقنا الجبل، وقيل‏:‏ رفعناه ‏{‏كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ‏}‏ قال عطاء‏:‏ سقيفة، والظلة‏:‏ كل ما أظلك، ‏{‏وَظَنُّوا‏}‏ علموا ‏{‏أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا‏}‏ أي‏:‏ وقلنا لهم خذوا، ‏{‏مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ‏}‏ بجد واجتهاد، ‏{‏وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ‏}‏ واعلموا به، ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، فرفع الله على رءوسهم جبلا‏.‏ قال الحسن‏:‏ فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من أن يسقط عليه، ولذلك لا تجد يهوديا إلا ويكون سجوده على حاجبه الأيسر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏}‏ الآية‏.‏

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏}‏ الآية‏.‏ قال عمر بن الخطاب‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عنها‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إن الله عز وجل خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال‏:‏ خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون‏.‏ ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال‏:‏ خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل‏:‏ ففيم العمل يا رسول الله‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله للجنة بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار‏"‏ وقال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن‏.‏ ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلا‏.‏

قال مقاتل وغيره من أهل التفسير‏:‏ إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال‏:‏ يا آدم هذه ذريتك، ثم قال لهم‏:‏ ألست بربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، فقال للبيض‏:‏ هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود‏:‏ هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم جميعا في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء‏.‏ قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول‏:‏ ‏"‏وما وجدنا لأكثرهم من عهد‏"‏ ‏(‏الأعراف- 102‏)‏‏.‏

وقال بعض أهل التفسير‏:‏ إن أهل السعادة أقروا طوعا وقالوا‏:‏ بلى، وأهل الشقاوة قالوه تقية وكرها، وذلك معنى قوله‏:‏ ‏"‏وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها‏"‏ ‏(‏آل عمران- 83‏)‏‏.‏

واختلفوا في موضع الميثاق؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ببطن نَعْمان- واد إلا جنب عرفة- وروي عنه أيضا‏:‏ أنه بدهناء من أرض الهند وهو الموضع الذي هبط آدم عليه السلام عليه‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ بين مكة والطائف، وقال السدي‏:‏ أخرج الله آدم عليه السلام من الجنة فلم يهبط من السماء ثم مسح ظهره فأخرج ذريته‏.‏ وروي‏:‏ أن الله أخرجهم جميعا وصوّرهم وجعل لهم عقولا يعلمون بها وألسنا ينطقون بها ثم كلمهم قُبُلا- يعني عيانا- وقال ألست بربكم‏؟‏ وقال الزجاج وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذر فهما تعقل به، كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم‏"‏ ‏(‏النمل- 18‏)‏‏.‏

وروي أن الله تعالى قال لهم جميعا‏:‏ اعملوا أنه لا إله غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئا، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي، وإني مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزل عليكم كتبا، فتكلموا جميعا، وقالوا‏:‏ شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك مواثيقهم، ثم كتب آجالهم وأرزقاهم ومصائبهم، فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال‏:‏ رب لولا سويت بينهم‏؟‏ قال‏:‏ إني أحب أن أشكر، فلما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم‏"‏ أي‏:‏ من ظهور بني آدم ذريتهم، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر‏:‏ ‏"‏ذرياتهم‏"‏ بالجمع وكسر التاء، وقرأ الآخرون ‏"‏ذريتهم‏"‏ على التوحيد، ونصب التاء‏.‏

فإن قيل‏:‏ ما معنى قوله ‏"‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم‏"‏ وإنما أخرجهم من ظهر آدم‏؟‏ قيل‏:‏ إن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لِمَا علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى‏}‏ أي‏:‏ أشهد بعضهم على بعض‏:‏ ‏{‏شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا‏}‏ قرأ أبو عمرو‏:‏ ‏"‏أن يقولوا‏"‏ ويقولوا بالياء فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما‏.‏

واختلفوا في قوله‏:‏ ‏"‏شهدنا‏"‏ قال السدي‏:‏ هو خبر من الله عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو خبر عن قول بني آدم حين أشهد الله بعضهم على بعض، فقالوا بلى شهدنا‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ذلك من قول الملائكة، وفيه حذف تقديره‏:‏ لما قالت الذرية‏:‏ بلى قال الله للملائكة‏:‏ اشهدوا، قالوا‏:‏ شهدنا، قوله‏:‏ ‏"‏أن يقولوا‏"‏ يعني‏:‏ وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا، أي‏:‏ لئلا يقولوا أو كراهية أن يقولوا، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام‏:‏ أخاطبكم‏:‏ ألست بربكم لئلا تقولوا‏:‏ ‏{‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ‏}‏ أي‏:‏ عن هذا الميثاق والإقرار، فإن قيل‏:‏ كيف تلزم الحجة على أحد لا يذكر الميثاق‏؟‏ قيل‏:‏ قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏173- 175‏]‏

‏{‏أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ‏(‏173‏)‏ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏174‏)‏ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ‏(‏175‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ‏}‏ يقول‏:‏ إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون‏:‏ إنما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم، أي كنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم، فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا‏:‏ ‏{‏أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ‏}‏ أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين، فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ‏}‏ أي‏:‏ نبين الآيات ليتدبرها العباد، ‏{‏وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ من الكفر إلى التوحيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا‏}‏ الآية‏.‏ اختلفوا فيه، قال ابن عباس كان من بني إسرائيل‏.‏ وروي عن علي بن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين وقال مقاتل‏:‏ هو من مدينة بلقا‏.‏

وكانت قصته- على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم- أن موسى لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم إلى بلعم- وكان عنده اسم الله الأعظم- فقالوا‏:‏ إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير، وأنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله أن يردهم عنا، فقال‏:‏ ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحوا عليه فقال‏:‏ حتى أؤامر ربي، وكان لا يدعوه حتى ينظر ما يؤمر به في المنام فآمر في الدعاء عليهم، فقيل له في المنام لا تدع عليهم، فقال لقومه‏:‏ إني قد آمرت ربي وإني قد نهيت فأهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه فقال‏:‏ حتى أؤامر، فآمر، فلم يوح إليه شيء، فقال‏:‏ قد آمرت فلم يجز إلي شيء، فقالوا‏:‏ لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له حسبان، فلما سار عليها غير كثير ربضت به، فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، أذن الله لها بالكلام فكلمته حجة عليه، فقالت‏:‏ ويحك يا بلعم أين تذهب بي‏؟‏ ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا‏؟‏ أتذهب بي إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم‏؟‏ فلم ينزع، فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل‏.‏ فقال له قومه‏:‏ يا بلعم أتدري ماذا تصنع إنما تدعو لهم علينا‏؟‏ ‏!‏ فقال‏:‏ هذا ما لا أملكه، هذا شيء قد غلب الله عليه، فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم‏:‏ قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جمِّلوا النساء وزيِّنوهن وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنا رجل واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين، اسمها كستى بنت صور، برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى، فقال‏:‏ إني أظنك ستقول هذه حرام عليك‏؟‏ قال‏:‏ أجل هي حرام عليك لا تقربها، قال‏:‏ فوالله لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني اسرائيل في الوقت، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبة، وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار، وجعل يقول‏:‏ اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورُفع الطاعون، فحُسِب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحى، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار وفي بلعم أنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا‏"‏ الآية‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ إن ملك البلقاء قال لبلعام‏:‏ ادع الله على موسى، فقال‏:‏ إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، فقالت‏:‏ لِمَ تضربني‏؟‏ إني مأمورة وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك فقال‏:‏ لتدعون عليه أو لأصلبنك، فدعا على موسى بالاسم الأعظم‏:‏ أن لا يدخل المدينة، فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التية بدعائه، فقال موسى‏:‏ يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه‏؟‏ فقال‏:‏ بدعاء بلعام‏.‏ قال‏:‏ فكما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فنزع الله عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء، فذلك قوله‏:‏ ‏"‏فانسلخ منها‏"‏‏.‏

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم‏:‏ نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكانت قصته‏:‏ أنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به، وكان صاحب حكمة وموعظة حسنة، وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مر على قتلى بدر، فسأل عنهم فقيل‏:‏ قتلهم محمد، فقال‏:‏ لو كان نبيا ما قتل أقرباءه، فلما مات أمية أتت أخته فارعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت‏:‏ بينما هو راقد أتاه آتيان فكشفا سقف البيت، فنزلا فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه‏:‏ وعى‏؟‏ قال أزكى‏؟‏ قال‏:‏ أبى، قالت‏:‏ فسألته عن ذلك فقال‏:‏ خير أريد بي، فصرف عني فغشي عليه، فلما أفاق قال‏:‏

كل عيش وإن تطاول دهرا *** صائر مرة إلى أن يزولا

ليتني كنت قبل ما قد بدا لي *** في قلال الجبال أرعى الوعولا

إن يوم الحساب يوم عظيم *** شاب فيه الصغير يوما ثقيلا

ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنشديني من شعر أخيك، فأنشدته بعض قصائده، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏آمن شعره وكفر قلبه‏"‏، فأنزل الله عز وجل ‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا‏}‏ الآية‏.‏

وفي رواية عن ابن عباس‏:‏ أنها نزلت في البسوس، رجل من بني إسرائيل وكان قد أعطي له ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت‏:‏ اجعل لي منها دعوة، فقال لك منها واحدة فما تريدين‏؟‏ قالت‏:‏ ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل النساء في بني إسرائيل، فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج ودعا عليها فصارت كلبة نباحة، فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا‏:‏ ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة نباحة، والناس يعيِّروننا بها، ادع الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات كلها‏.‏ والقولان الأولان أظهر‏.‏

وقال الحسن وابن كيسان‏:‏ نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم‏.‏

وقال قتادة‏:‏ هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن عُرض عليه الهدى فأبى أن يقبله، فذلك قوله ‏"‏واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا‏"‏‏.‏ قال ابن عباس والسدي‏:‏ اسم الله الأعظم‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه‏.‏ وقال ابن عباس في رواية أخرى‏:‏ أوتي كتابا من كتب الله فانسلخ، أي‏:‏ خرج منها كما تنسلخ، أي‏:‏ خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها‏.‏ ‏{‏فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ‏}‏ أي‏:‏ لحقه وأدركه، ‏{‏فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏176‏]‏

‏{‏وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏176‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا‏}‏ أي‏:‏ رفعنا درجته ومنزلته بتلك الآيات‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لرفعناه بعلمه بها‏.‏ وقال مجاهد وعطاء‏:‏ لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات‏.‏ ‏{‏وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ سكن إلى الدنيا ومال إليها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ خلد وأخلد واحد‏.‏ وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام، يقال‏:‏ أخلد فلان بالمكان إذا أقام به، والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا، لأن ما فيها من القفار والرباع كلها أرض، وسائر متاعها مستخرج من الأرض‏.‏ ‏{‏وَاتَّبَعَ هَوَاهُ‏}‏ انقاد لما دعاه إليه الهوى، قال ابن زيد‏:‏ كان هواه مع القوم‏.‏ قال عطاء‏:‏ أراد الدنيا وأطاع شيطانه‏.‏ وهذه أشد آية على العلماء، وذلك أن الله أخبر أنه آتاه آية من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه والانسلاخ عنها، ومَن الذي يَسْلَمُ من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله‏؟‏

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك عن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن كعب بن مالك الأنصاري عن أبيه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه‏"‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ‏}‏ يقال‏:‏ لهث الكلب يلهث لهثا‏:‏ إذا أدلع لسانه‏.‏ قال مجاهد‏:‏ هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به‏.‏

والمعنى‏:‏ إن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء، كحالتي الكلب‏:‏ إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا، وإن ترك وربض كان لاهثا‏.‏ قال القتيبي‏:‏ كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال وفي حال الراحة وفي حال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال‏:‏ إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث، نظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون‏}‏ ‏(‏الأعراف- 193‏)‏، ثم عم بهذا التمثيل جميع من يكذب بآيات الله فقال‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ وقيل‏:‏ هذا مثل لكفار مكة وذلك أنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم نبي لا يشكّون في صدقه كذّبوه فلم يهتدوا تُركوا أو دُعوا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏177- 178‏]‏

‏{‏سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ‏(‏177‏)‏ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏178‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا‏}‏ أي‏:‏ بئس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وتقديره‏:‏ ساء مثلا مثل القوم، فحذف مثل وأقيم القوم مقامه فرُفع، ‏{‏وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏179- 180‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ‏(‏179‏)‏ وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏180‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ‏}‏ أخبر الله تعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها‏.‏

أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أنا أحمد بن محمد بن أبي حمزة البلخي، حدثنا موسى بن محمد بن الحكم الشطوي، حدثنا حفص بن غياث، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت‏:‏ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار، فقالت عائشة‏:‏ طوبى له عصفور من عاصفير الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وما يدريك‏؟‏ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم‏"‏‏.‏ وقيل‏:‏ اللام في قوله ‏"‏لجهنم‏"‏ لام العاقبة، أي‏:‏ ذرأناهم، وعاقبة أمرهم جهنم، كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا‏"‏ ‏(‏القصص 8‏)‏، ثم وصفهم فقال‏:‏ ‏{‏لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا‏}‏ أي لا يعلمون بها الخير والهدى‏.‏ ‏{‏وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا‏}‏ طريق الحق وسبيل الرشاد، ‏{‏وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا‏}‏ مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب، فقال‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ‏}‏ أي‏:‏ كالأنعام في أن همتهم في الأكل والشرب والتمتع بالشهوات، بل هم أضل لأن الأنعام تميز بين المضار والمنافع، فلا تقدم على المضار، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة، مع العلم بالهلاك، ‏{‏أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا‏}‏ قال مقاتل‏:‏ وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال بعض مشركي مكة‏:‏ إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يدّعون أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين‏؟‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏"‏ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها‏"‏‏.‏ والحسنى تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى، فادعوه بها‏.‏

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور المرادي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب الوتر‏"‏‏.‏

‏{‏وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ‏}‏ قرأ حمزة‏:‏ ‏"‏يلحدون‏"‏- بفتح الياء والحاء حيث كان- وافقه الكسائي في النحل، والباقون بضم الياء وكسر الحاء، ومعنى الإلحاد هو‏:‏ الميل عن المقصد يقال‏:‏ ألحد يلحد إلحادا، ولحد يلحد لحودا‏:‏ إذا مال‏.‏ قال يعقوب بن السكيت‏:‏ الإلحاد هو العدول عن الحق، وإدخال ما ليس منه فيه، يقال‏:‏ ألحد في الدين، ولحد، وبه قرأ حمزة‏.‏

‏{‏وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ‏}‏ هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من ‏"‏الله‏"‏ والعزى من ‏"‏العزيز‏"‏، ومناة من ‏"‏المنان‏"‏، هذا قول ابن عباس ومجاهد‏.‏

وقيل‏:‏ هو تسميتهم الأصنام آلهة‏.‏ وروي عن ابن عباس‏:‏ يلحدون في أسمائه أي يكذبون‏.‏ وقال أهل المعاني‏:‏ الإلحاد في أسماء الله‏:‏ تسميته بما لم يُسَمَّ به، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وجملته‏:‏ أن أسماء الله تعالى على التوقيف فإنه يسمى جوادا ولا يسمى سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ولا يسمى رفيقا، ويسمى عالما ولا يسمى عاقلا وقال تعالى‏:‏ ‏"‏يخادعون الله وهو خادعهم‏"‏ ‏(‏النساء 142‏)‏ وقال عز من قائل‏:‏ ‏"‏ومكروا ومكر الله‏"‏ ‏(‏آل عمران- 54‏)‏، ولا يقال في الدعاء‏:‏ يا مخادع، يا مكار، بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال‏:‏ يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك‏.‏ ‏{‏سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏181- 184‏]‏

‏{‏وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ‏(‏181‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ‏(‏182‏)‏ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ‏(‏183‏)‏ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏184‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ‏}‏ أي‏:‏ عصابة، ‏{‏يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ‏}‏ قال عطاء عن ابن عباس‏:‏ يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم المهاجرون والتابعون لهم بإحسان‏.‏ وقال قتادة‏:‏ بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال‏:‏ ‏"‏هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون‏"‏‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثني الوليد، حدثني ابن جابر، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية رضي الله عنه يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك‏"‏‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ هم من جميع الخلق‏.‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏}‏ قال عطاء‏:‏ سنمكر بهم من حيث لا يعلمون‏.‏ وقيل‏:‏ نأتيهم من مأمنهم، كما قال‏:‏ ‏"‏فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا‏"‏ ‏(‏الحشر- 2‏)‏، قال الكلبي‏:‏ يزين لهم أعمالهم ويهلكهم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ كلما جدَّدوا معصية جددنا لهم نعمة‏.‏ قال سفيان الثوري‏:‏ نسبغ عليهم النعمة وننسيهم الشكر‏.‏ قال أهل المعاني‏:‏ الاستدراج أن يتدرج إلى الشيء في خفية قليلا قليلا فلا يباغت ولا يجاهر، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه في المشي، ومنه درج الكتاب إذا طواه شيئا بعد شيء‏.‏

‏{‏وَأُمْلِي لَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي، ‏{‏إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ‏}‏ أي‏:‏ إن أخذي قوي شديد، قال ابن عباس‏:‏ إن مكري شديد‏.‏ قيل‏:‏ نزلت في المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة واحدة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ‏}‏ قال قتادة ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلا فجعل يدعو قرشا فخذا فخذا‏:‏ يا بني فلان، يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم‏:‏ إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏أولم يتفكروا ما بصاحبهم‏"‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏مِنْ جِنَّةٍ‏}‏ جنون، ‏{‏إِنْ هُوَ‏}‏ ما هو، ‏{‏إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ‏}‏ ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال‏:‏